الياس شوفاني

275

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

مجلس الناحية إلى السنجق إلى الولاية . ووفق هذه التراتبية أحيلت القضايا بحسب أهميتها من الأدنى إلى الأعلى . وباتساع مهمات المجالس ، تفرعت إلى هيئتين : الأولى إدارية ، والثانية قضائية ، ولكن في إطار المجلس الواحد . وعلى العموم ، ظلت السلطة العثمانية ضعيفة في الريف ، وغائبة في المناطق النائية - الجبلية والصحراوية . وفي هذه المناطق ، قام بالمهمات الإدارية القليلة شيخ القرية ، الذي كان يتبع « ناظر الناحية » والذي بدوره يتبع « مدير القضاء » . وكان زعماء الريف بصورة عامة أشخاصا محليين ، اضطرت السلطة إلى التعامل معهم لافتقارها إلى القوة العسكرية اللازمة لضبط الأوضاع في هذه المناطق المعزولة . وكثيرا ما تمرد الزعماء المحليون على السلطة ، وامتنعوا من دفع الضرائب المستحقة وتصدوا لقوات الحكومة بالسلاح عندما هاجمت مراكزهم . وقد حدث ذلك في الساحل السوري ( جبل العلويين ) ومنطقة بعلبك وجبل لبنان وجبل الدروز ( العرب ) والجبال الوسطى من فلسطين - نابلس والقدس والخليل . وفي هذه المناطق جميعا ، حاولت السلطة استغلال التناقضات بين العائلات المتنفذة ، أو بين فروع العائلة الواحدة ، للحفاظ على ولاء الحاكم للسلطة المركزية . ولكن عندما حاولت تلك السلطة إرسال جيش تركي لفرض هيبتها على الجبليين ، حشدوا قواهم ، وتصدوا لهذا الجيش . ولذلك سادت حالة من عدم الاستقرار في تلك المناطق ، على نقيض المدن ، حيث راحت تتشكل زعامة جديدة ، عبر المشاركة في تسيير أمور الحكم والتمرس بأساليبه . وفي فلسطين ، تميّزت منطقة جبال نابلس بمقاومتها للحكم المركزي ، كما عرفت بالصراع الدائم بين زعمائها المحليين . ولهذه المنطقة تاريخ طويل في التمرد على السلطة . فحتى ظاهر العمر والجزار ونابليون وإبراهيم باشا ، لم يستطيعوا ضبط الأوضاع فيها . وبمساعدة الأمير بشير الشهابي ، استطاع عبد الله باشا احتلال قلعة سانور الحصينة ( 1829 - 1830 م ) ، لكنه فشل في الاحتفاظ بها تحت سيطرته . ولقي إبراهيم باشا صعوبة كبيرة في إخضاعها ، وكانت أول من تمرد عليه ( 1834 م ) ، وهاجمت جيوشه المنسحبة إلى مصر ( 1839 م ) . وبرز فيها عدد من العائلات الإقطاعية القيسية ( طوقان وجرّار وريّان ) ، وأخرى يمنية ( النمر وقاسم وعبد الهادي ) ، ظلت تتناحر على الدوام . ولكن هذه العائلات كانت على العموم تتوحد ضد تمركز قوات عسكرية نظامية في مناطقها ، وبالتالي فرض السلطة المركزية عليها . وإزاء عجز الحكومة عن إخضاع هذه العشائر بالقوة ، فقد عمدت إلى استغلال التناقض بينها ، وبالتالي تسعير التناحر بين التكتلات العشائرية ، التي كثيرا ما جرّت إليها بعض القبائل البدوية أيضا ، وذلك بشأن تولي الالتزام في المنطقة وما يدرّه ذلك من مكاسب